أبو علي سينا

326

رسائل ( ط بيدار )

قيل لما ذا قال برب الفلق ولم يقل بآله الفلق أو نحو ذلك . قيل انّ فيه سرا لطيفا من حقائق العلم وذلك لان الرب رب للمربوب * والمربوب هو الذي لا يستغنى في شيء من حالاته عن الرب . انظر إلى الطفل الذي يربيه والده فما دام مربوبا هل يستغنى عن المربّى . ولما كانت الماهيات الممكنة لا تستغنى في شيء من أوقات وجودها ولا من أحوال ثبوتها عن إفاضة المبدأ الأول لا جرم عبر عنه بلفظ الرب والاله أيضا كذلك فان الأفعال محتاجة إلى الاله لا من حيث هو آله لان الإله من حيث هو آله هو المستحق للعبادة والمربوب لا يكون معقولا بالقياس إلى المستحق للعبادة فالفلق لا بد له من فالق وربّ ومؤثر ولا يحتاج إلى المعبود من حيث هو كذلك . واعلم أن فيه إشارة أخرى من خفيات الأمور والعلوم وهو أن الاستعاذة والعوذ والعياذ في اللغة عبارة عن الالتجاء إلى الغير فلما أمر بمجرد الالتجاء إلى الغير دل ذلك على أن عدم حصول الكمالات ليس لامر يرجع إلى المفيض للخيرات بل لامر يرجع إلى قابلها وذلك يحقق الكلام المقرر من أنه ليس شيء من الكمالات بمبخول به من عند المبدأ الأول بل الكل حاصل موقوف على أن يصرف المستعد وجه قبوله إليها وهو المعنى بالإشارة النبوية على قائلها الصلاة والسلام ( إنّ لربّكم في أيام دهركم نفحات من رحمته : الا فتعرضوا لها ) بين أن نفحات الالطاف دائمة وانما الخلل من المستعد وتحت ذلك تنبيهات عظيمة جليلة وقواعد خطيرة يمكن للمتأمل الوقوف عليها من غير تصريح ( وَمِنْ شَرِّ غاسِقٍ إِذا وَقَبَ )